محمد بن جرير الطبري
181
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
كقول الله عز وجل : ( يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ) [ سورة الأنعام : 158 ] ، فأعلم النبي صلى الله عليه وسلم أمته أن تلك الآية التي أخبر الله جل ثناؤه عبادَه أنها إذا جاءت لم ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ذلك ، هي طُلوع الشمس من مغربها . ( 1 ) فالذي كانت بالعباد إليه الحاجة من علم ذلك ، هو العلم منهم بوقت نَفع التوبة بصفته ، بغير تحديده بعدد السنين والشهور والأيام . ( 2 ) فقد بين الله ذلك لهم بدلالة الكتاب ، وأوضحه لهم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم مفسَّرًا . والذي لا حاجة بهم إلى علمه منه ، ( 3 ) هو العلم بمقدار المدة التي بين وقت نزول هذه الآية ووقت حدوث تلك الآية ، فإن ذلك مما لا حاجة بهم إلى علمه في دين ولا دنيا . وذلك هو العلم الذي استأثر الله جل ثناؤه به دون خلقه ، فحجبه عنهم . وذلك وما أشبهه ، هو المعنى الذي طلبت اليهودُ معرفته في مدّة محمد صلى الله عليه وسلم وأمته من قبل قوله : " ألم " و " ألمص " و " ألر " و " ألمر " ونحو ذلك من الحروف المقطّعة المتشابهات ، التي أخبر الله جل ثناؤه أنهم لا يدركون تأويل ذلك من قبله ، وأنه لا يعلم تأويله إلا الله . فإذْ كان المتشابه هو ما وصفنا ، فكل ما عداه فمحكم . لأنه لن يخلو من أن يكون محكمًا بأنه بمعنى واحد لا تأويل له غير تأويل واحد ، وقد استغنى بسماعه عن بيان يُبينه = ( 4 ) أو يكون محكمًا ، وإن كان ذا وُجوه وتأويلات وتصرف في
--> ( 1 ) انظر تفصيل ذلك والعلة في تفسير الآية من تفسير الطبري 8 : 71 - 77 ( بولاق ) . ( 2 ) في المطبوعة : " بعد بالسنين . . . " ، وفي المخطوطة : " بعد السنين . . . " ، وظاهر أن الناسخ أسقط الدال الثانية من " بعدد " . ( 3 ) في المطبوعة : " لا حاجة لهم " باللام ، وأثبت صوابها من المخطوطة . ( 4 ) في المطبوعة والمخطوطة " مبينة " ، ولكن ميم المخطوطة كأنها ليست " ميما " ، وصواب قراءة النص هو ما أثبت .